محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

88

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

العقاب « 1 » يطير في فضاء عزّه بحيث لا يرتقي طرف إلى مطاره ، ولا تسمو همّة إلى الوصول إليه ، فيرى قطعة لحم معلّقة على شبكة فينزله الطمع من مطاره ، فيعلق بالشبكة جناحه ، فيصيده صبيّ يلعب به » . وقيل : إن فتحا الموصلّى رضي اللّه تعالى عنه ، كان قاعدا فسئل عمن تابع الشهوات كيف صفته ، وكان بقربه صبيّان مع أحدهما خبز بلا إدام ، ومع الآخر خبز مع كامخ « 2 » ، فقال الذي لم يكن معه كامخ لصاحبه : أطعمني من الكامخ ، فقال له : بشرط أن تكون كلبي ، فقال : نعم ، فجعل في رقبته خيطا ، وجعل يجرّه كما يقاد الكلب ، فقال فتح للسائل : أما إنه لو رضى بخبزه ولم يطمع في كامخ صاحبه لم يصر كلبا لصاحبه . وحكى عن بعضهم أنه دخل على تلميذ له فقدّم التلميذ إليه خبزا قفارا « 3 » ، ولم يكن له إدام ، فأخذ يتمنى بقلبه أن ليت كان له إدام يقدّمه إلى أستاذه ، فقام الأستاذ وقال : تعالى معي ، فحمله إلى باب السجن فرأى الناس : يضرب واحد ، ويقطع آخر ، ويعذّب كلّ واحد بأنواع العذاب ، فقال الأستاذ للتلميذ : ترى هؤلاء ؛ هم الذين لم يصبروا على الخبز القفار » . وقيل : إن رجلا أخرج من السجن وفي رجله قيد وهو يسأل الناس ، فقال لإنسان : أعطني كسرة ، فقال : لو قنعت بالكسرة لما وضع القيد في رجلك . ورأى رجل رجلا من الحكماء يأكل ما تساقط من البقل على رأس الماء ، فقال : لو خدمت السلطان لم تحتج إلى أكل هذا ، فقال الحكيم : وأنت لو قنعت بهذا لم تحتج إلى خدمة السلطان . وقد أردت أن أذكر هنا حكاية مناسبة لما نحن فيه ليتعرّف بها كيف تكون الهمّة السنية والآداب المرضية في إخذ البلغ « 4 » من الدنيا والقناعة باليسير من الأشياء ورؤية منّة اللّه تعالى في تيسير القليل والشكر له على ذلك ، قال بعضهم : « خرجنا من المدينة حجاجا ، فلما كنا بالزاوية نزلنا ، فوقف بنا رجل عليه ثياب رثّة ، وله منظر وهيبة وصورة حسنة ومروءة فقال : من يبغي خادما ؟ من يبغي ساقيا ؟ فقلت : دونك هذه القربة ، فأخذها وانطلق ، ولم يلبث إلّا يسيرا حتى أقبل وقد امتلأت أثوابه طينا ، وأثّرت القربة في كتفيه فوضعها وهو كالمسرور الضاحك ، ثم قال : ألكم غيرها ؟ قلنا : لا ، وأطعمناه قرصا باردا فأخذه وحمد اللّه سبحانه وشكره شكرا كثيرا ، ثم اعتزل ، وقعد يأكله أكل جائع ،

--> ( 1 ) العقاب : طائر من كواسر الطير قوي المخالب ، حادّ البصر ، له منقار قصير أعقف ( ج ) عقبان . ( 2 ) الكافح : ما يؤتدم به أو المخللات المشهية ( ج ) كوافح . ( 3 ) القفار : الخبز غير المأدوم . ( 4 ) البلغة : ما يبتلغ به من العيش .